القضاة بين القضاء والإدارة

قضائيات كان الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول (( اللهم إليك أشكو جلد الفاجر وعجز الثقة )) ، وكلما خطر لي ذلك علمت أن الأمر الذي نشكو منه أزليٌ ، وأن ما نشكو منه قد شكى منه من هو خير منا في خير القرون .



غير أن أولئك الأخيار عملوا بما يحقق المصلحة العامة ، وعملنا بما يحقق مصالحنا الخاصة ؛ فنحن قدمنا الأهواء ، وذوي القرابات الأقرب فالأقرب ؛ نسباً ، وصهراً ، وموطناً .

أما أولئك الأبرار فقد قدموا أصحاب الخبرات ، وذوي التجارب ، والأنفع للإسلام والمسلمين ؛ ولو لم يكونوا هم الأصلح ديناً ، أو الأقوم مسلكاً ، أو الأتقى ، أو الأورع ظاهراً ؛ لأن هذه منافع قاصرة على ذات فاعلها ، أما المنافع المتعدية فهي مراد القوم ؛ الذين خلصت نياتهم ، وصلحت أعمالهم ، ووُفِّقُوا ـ هم ـ لتحقيق مصلحة العامة .

وبقينا أسرى لشباب حديثة أسنانهم قليلة تجاربهم ، أو شيوخ ضعفت هممهم ولم يحيطوا بجديد زمانهم ، فأعلنوا الحرب على كل جديدٍ ؛ ولو كان مفيداً . أناس ليس لديهم مقومات الإدارة ولا أبجديات العمل الإداري .



ومن العجب : أن ترى المواد ( 53 ، 54 ، 55) من مواد نظام تركيز مسؤوليات القضاء الشرعي تنص على : أن رئيس المحكمة هو المرجع الشامل لجميع القضاة والموظفين والمستخدمين ، وأن لا يصدر من المحكمة شيء ولا يرد إليها بغير علمه ومعرفته ، مع إلزامه بنظر القضايا أسوة بغيره من قضاة المحكمة .



والواجب : أن لا يشمل عمل القاضي غير نظر القضايا والحكم فيها بما أراه الله . وأن على المسؤولين إسناد إدارة المحكمة وموظفيها وأعمالها الكتابية إلى متخصص في الإدارة ؛ يرقى بإدارتها إلى قمم الإنجاز ، منذ ورود المعاملة إلى المحكمة وحتى صدور الحكم فيها والأمر بالإنفاذ ؛ ليتبارى المديرون فيما بينهم كما يتنافس القضاة في أحكامهم . ففي ذلك يكون التنافس .



أما أن تسند الإدارة والقضاء إلى قاضٍ قد أعجزته وأعيته إدارة المحكمة والعاملين فيها ومراجعيها : فذلك تثبيط للقاضي عن عمله الأساس ، وتوريط للمتقاضي بغير ذوي الاختصاص .



وعمر رضي الله عنه عندما استشار جلساءه ـ في تولية المؤمن الضعيف أو القوي الفاسق ـ أجابوه : بلزوم تولية القوي ؛ لأن قوته للمسلمين ، أما الأخر فإيمانه لنفسه وضعفه على المسلمين . فأخذ بقولهم رضي الله عنه وعنهم .



وهذا الأمر يرد في كل الولايات ؛ فقد سُئِلَ الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله : عن تأمير رَجُلَيْنِ في الغزو ؛ أَحَدُهُمَا أَنْكَى في الْعَدُوِّ مع شُرْبِهِ الْخَمْرَ ، وَالْآخَرُ أَدْيَنُ ؟ .

فقال : يغزى مع الْأَنْكَى في الْعَدُوِّ ؛ لِأَنَّهُ أَنْفَعُ لِلْمُسْلِمِينَ .



قال ابن القيم رحمه الله : وَبِهَذَا مَضَتْ سُنَّةُ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم فإنه كان يُوَلِّي الْأَنْفَعَ لِلْمُسْلِمِينَ على من هو أَفْضَلُ منه .



فهل ندرك : أن فصل القضاء عن الإدارة أمر لازم لمصلحة القاضي ؛ كي يتفرغ لأمر القضاء ، ويسخر كامل وقته في نظر الدعوى وأحوال الخصوم ، والتأمل في الشهادات ، والتمعن في البينات ، ومراجعة أقوال أهل العلم للاستدلال إلى الحكم الصحيح ؛ تاركاً عنه الانشغال أو التشاغل بالوارد والصادر ، والنسخ والأرشيف ، والغياب والحضور ، وتحديد المواعيد وتأجيلها ، وتدقيق الخطابات والضبوط ، والصكوك والسجلات ، وغيرها من شؤون إدارة المحكمة .



ألا إن الحمل ثقيل ، والوقت قليل ، والطاقات محدودة لا تحتمل الهدر ، والناس عطاش لحقوقهم ، وصاحب الحاجة أعمى حتى تقضى حاجته . | عدد القراء : 3440 | تأريخ النشر : السبت 16 ذو القعدة 1426هـ الموافق 17 ديسمبر 2005م
طبعت هذه المقالة من ( مركز الدراسات القضائية التخصصي - قضاء )
على الرابط التالي
http://www.cojss.net/article.php?a=9
+ تكبير الخط | + تصغير الخط
اطبع