كتابة تعليق على مقالة :: الخيانة العظمى وأخواتها
ما بجانبه * مطلوب

نص التعليق
1sm.gif  2sm.gif  3sm.gif  4sm.gif  icon_arrow.gif  

بقية الصور

تعطيل الابتسامات
نص المقالة من عقائد أهل الإسلام أنَّ الكفر، والفسق، والنفاق، والشرك درجات؛ بعضها أدنى من بعض، ولذلك يُعَبِّرُون في شرح ذلك بأنَّ هناك كفر دون كفر وشرك دون شرك وفسق دون فسق .. الخ.
فقتالُ المسلم كفر، وترك الصلاة كفر، وادعاء الرجل لغير أبيه كفر، ومنع الزكاة كفر، والطعن في الأنساب كفر، والنياحة على الميت كفر، ولكنها ليست كالكفر الأعظم بالله العظيم.
واتخاذُ الرُّقَى وَالتَّمَائِمِ شِرْكٌ، والطيرة شرك، والرياء شرك، والحلف بغير الله شرك، ولكنها ليست كالشرك الأعظم بعبادة شيءٍ مع الله عز وجل.
وسبابُ المسلم فسوق، والاستقسام بالأزلام فسق، والسرقة من الغنيمة في الحرب فسق، ومضارة الشاهد والكاتب فسوق، ولكنها ليست كالفسق الأعظم بالخروج عن طاعة الله.
والكذبُ نفاق، وإخلاف الوعد نفاق، والغدر نفاق، وخيانة الأمانة نفاق، ولكنها ليست كالنفاق الأعظم بإظهار الإيمان وإبطان الكفر.

والمؤمن قد يكون بخيلاً أو جباناً أو أحمقَ أو ظالماً بطبعه ونحو ذلك من العيوب السلوكية، لكنه لا يُجبَلُ على الخيانة؛ لما رُوِيَ أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى الْخِلاَلِ كُلِّهَا إِلاَّ الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ )، بل ورد في بعض الآثار أنَّ ذلك ليس مما يُطْبَعُ عليه بنو آدم، ولا غرو فالخيانة بأنواعها من أرذل الطباع؛ التي لم يشتهر بها من الحيوان غير الضباع.

والخِيَانَةُ في اللغة تعني: نقض العهد، والغدر، وجحد الأمانة. وهي درجات أيضاً؛ منها: العظمى، ومنها: ما هو دون ذلك.
والخيانة العظمى في عرف اليوم لم تحظ بتعريفٍ جامعٍ مانع متفق عليه بين دساتير العالم الحديث، مثلها في هذا الشأن مثل مسمى (الإرهاب) الذي لم يُسعَد بعدُ بتعريفٍ متفقٍ عليه بين الدول المناوئة له في الظاهر؛ حتى لا تُوصم به وتكون هدفاً لتطبيق أحكامه عليها؛ لأنها تمارسه وتزاوله وترعاه في الباطن تبعاً لمصالحها.
وعدم الاتفاق على تعريفٍ واحدٍ للخيانة العظمى - مع تقدم وتطور العلوم القانونية في العالم الحديث - منشؤه الخوف من تطبيقات تلك التعريفات التي لاشك أنَّها لا تخدم المصالح الاستعمارية في الدول الصغيرة؛ إذ إنَّ كثيراً من مصالح الدول الكبرى لا تأتي إلا بتسهيلاتٍ من الخونة المتعاونين معهم من أهل البلدان المستهدفة ضد مصالح بلدانهم أو حكوماتهم.

وتهمة الخيانة العظمى ليست قاصرة على منصب القيادة العامة للدولة، بل يدخل فيها خيانة المصالح العامة للأمة من أيِّ فردٍ من أفرادها - مواطنين، ومقيمين، وزوار - في أيٍ من الأمور التالية:-
1/ الرِّدَّة عن الإسلام بغير شبهة، أو: التَّنَقُّصُ من ثوابت الأمة أو من رموزها، أو: ثلب أحكام الدستور العام علناً.
2/ التفريط في مُقَدَّرَات الأمة بتسليمها لأعداء الإسلام لغير مصلحةٍ راجحة، أو التَّخَلِّي عن ديار المسلمين لأعدائهم، أو التَّخلِيَة بينهم وبين دمائهم وأعراضهم مع القدرة على نصرتهم والدفاع عنهم.
3/ التَّجَسُّس، أو إفشاء الأسرار العامة لجهاتٍ معادية، أو الاتصال السِّرِّيُّ بالقوى الأجنبية؛ سعياً لمصالح خاصة. وأول خيانةٍ موثقةٍ من هذا النوع عبر التاريخ هي خيانة امرأة رسول الله نوح عليه الصلاة والسلام، ثم خيانة امرأة نبي الله لوط عليه السلام، وكان جزاؤهما في الدنيا إلهياً بإغراقِ الأولى وحرقِ الثانية.
4/ التَّعَرُّض بالسُّوء لحياة القائد العام للدولة، أو زعزعة الأمن العام باستهداف مؤسسات الدولة العامة بالتخريب؛ سواء: بالفعل، أو بالدعم، أو بالتخطيط، أو بالتحريض؛ أشبه: استباحة التفجيرات، والاغتيالات السياسية، واستحلال قتال رجال الأمن، وتهريب الأسلحة، والتغرير بالمحسنين في تمويل الأنشطة المشبوهة.
5/ الدعوة إلى التَّمَرُّد العام، أو تهييج العامة وتحريضهم على عصيان ولي الأمر في غير ما يُقطع بكونه كفراً بواحاً ظاهر البرهان؛ من أيٍ من الشخصيات ذات الحضور الديني أو الاجتماعي أو السياسي أو الفكري؛ ومن ذلك: مشاغبة ولاة الأمر بتحريش العوام وإغرائهم بتعطيل الشعائر باسم الدين، أو النقد العلني لتصرفات الإمام المنوطة به مصالح المسلمين وتخطئة أحكامه الرافعة للخلاف في مسائل الاجتهاد، أو الدعوة إلى المظاهرات ونشر الفوضى باسم الاحتجاج السلمي.

إنَّ كلاً مما تقدم له أحكام الخيانة العظمى التي اتفقت جميع الدساتير على أنَّ عقوبتها الإعدام قولاً واحداً، وإن اختلفوا في كيفية ذلك الإعدام، إلى حدٍ أنَّ بعض المجتمعات أحدثت صفاتٍ منكرةً في تنفيذ هذه العقوبة مبالغةً في التنفير منها؛ مثل: شق الخائن نصفين؛ بربط رجليه بحصانين يسيران في اتجاهين متضادين حتى ينفصل شقاه، أو: حرقه في ميدانٍ عام، أو: دفنه حياً شيئاً فشيئاً، ونحو ذلك، ولم يخرج من هذه القاعدة في تاريخنا الإسلامي الزاهر غير صحابي رسول الله صلى الله عليه وسلم حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه عندما راسل قريشاً بخبر غزو مكة، ولم يُنجه من سيف عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه إلا قول رسول الله عليه الصلاة والسلام ( يَا عُمَرُ!، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ قَدْ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ وَجَبَتْ لَكُمْ الْجَنَّةُ ).

والحق أنَّ الخيانة العظمى ينبغي أن تمتد إلى ما هو أعمُّ من الأنواع الخمسة السالفة؛ لتشمل أصنافاً من الخيانات المنتشرة، والتي هي في صورتها الأولى تبدو من الخيانات الصغرى؛ لكنها عند التدقيق يظهر كونها من الخيانات الكبرى التي ليس لها من العقوبات غير القتل؛ لقطع شر أصحابها، وحسم مادتها، والزجر عن اقتراف مثلها، وهذه بعض الأمثلة لها:-
1/ (في العسكرية) خيانة من وُكِلَ إليه حفظ الأمن أمانته باسم الأمن الذي يمثله؛ كما لو استولى جنديٌ خائنٌ على أموال الناس أو انتهك أعراضهم؛ استغلالاً للباس الدولة وسلاحها المؤتمن عليه. وقد وُفِّقَت دولتنا المباركة بتطبيق حكم الخيانة العظمى في حق أرباب هذه الخيانة.
2/ (في التعليم) خيانة من ارتضاه الناس أميناً على فلذات أكبادهم باسم التربية التي يمتهنها؛ كما لو نشر بين تلاميذه فكراً ضالاً أو عقائد منحرفةً، أو شَكَّكَ في يقينيات الدين أمام طلابه، أو استدرجهم لأغراضٍ دنيئةٍ محرمة.
3/ (في الطب) خيانة من ائتمنه الناس على أجسادهم وأرواحهم أمانته باسم العلاج والتطبيب؛ كما لو انتزع من مريضٍ عضواً من غير رضاً منه، أو غَدَرَ بامرأةٍ فَفَجَرَ بها بعد تخديرها.
4/ (في الفتوى والقضاء والحسبة) خيانة من نصب نفسه مُبَيِّنَاً لحكم الله أمانته باسم الدين الذي يتمسَّح به؛ كما لو ساوم على ستر فضيحةٍ أو تغطية جُنحَةٍ، أو استباح مالاً أو فرجاً بحكمٍ أو فتوىً يعلم زورها وكذبها.
5/ (في السياسة) خيانة من فُوِّض في رعاية مصالح الدولة الخارجية أمانته باسم دولته؛ كما لو سَرَّبَ أسراراً لدولته، أو تسبَّب في إساءة العلاقة بين دولته ودولة أخرى عمداً؛ بتحريضٍ من قوىً معادية أو لتحقيق مصالح خاصة.

وما جُعِلت هذه النقائص من باب الخيانة العظمى ولها ذات الأحكام إلا لأنَّ الناس لا تقدر على اتخاذ الحيطة والحذر في كل الأمور وكافة الأماكن وجميع الأزمنة، بل لابد لهم من وضع الثقة في بعض الأحايين عند من لا يُفتَرَضُ به ولا يُتَصَوَّرُ منه الخيانة والغدر غالباً؛ فإذا حصل ذلك منه كانت خيانته عظمى ولاشك، وكانت عقوبته عقوبتها. والله أعلم
-
-
-
-
-
-