أخي أبا زيد :
أحيي فيك حوارك هذا ، وألمس منك عقلاً وعلماً ، أسأل الله أن يحليني وإياك بهما ؛ لا يشوبهما بطر الحق ، ولا غمطُ الناس .
سأورد تعقيبك على أجزاء ، يعقب كل جزء جوابه ؛ لربط الجواب بإشكاله .
وأؤكد على أن مجال البحث جزءٌ من الفتوى ، لا كلها ، ولا شخص من نسبت إليه ، فليُعلم !، حتى لا نُبتلى بمن يُزايد على مكانة الشيخ وعلمه وجلالة قدره .
=================
أولاً : قلتَ فضيلة الدكتور ناصر " إن كنت طالب علم شرعي - فلابد أنك تعلم : أن لازم اللازم ليس بلازم قطعاً "
وأنا أصدقك القول للتو علمت منك هذا ، فأخبرني كيف يكون الشيء لازما وغير لازم في الوقت نفسه ؟.
وأحسبك تريد أن تقول بأن لازم القول ليس قولاً ، فهذه مسألة مقررة لا يجهلها من هو من طلبة طلبة البراك فضلاً عن البراك نفسه .
الجواب :
حسناً منك قلت - أبا زيد - أنك : للتو علمت هذا .
لن أطيل بذكر مستندي في هذا التعقيب ، ولكن أعدك أن أفرد له موضوعاً في منتدى الحوار العام .
أما علمك بأن لازم القول ليس قولاً . فقد أسعدني ذلك ، وأسعدني أكثر أن ذلك لا يخفى على طلبة طلبة الشيخ .
أما الشيخ فلم يتعرض له أحد ، فلا تحاول رفع قميص عثمان في هذه المسألة .
ثم كيف علمت : أن لازم القول ليس قولاً ، ولم تعلم : أن لازم اللازم ليس بلازم ، مع أنهما سواء .
ثم لتعلم : أن هذه القاعدة عند علماء أصول وقواعد الفقه جاءت مرة بالتعبير الأول ، ومرة بالثاني ، وثالثة بقولهم : لازم المذهب ليس بمذهب .
وإن خفي عليك أحد هذه التعبيرات ، فكيف خفي عليك معناه ؟. عندما تساءلت بقولك : فأخبرني كيف يكون الشيء لازما وغير لازم في الوقت نفسه ؟.
=================
قولك ثانياُ : بنيت أكثر كلامك على "اللوازم" وما إليها ، ولست أدري ما صلة هذه اللوازم بكلام البراك ، وليس فيها ذكرٌ للازم واحد ، فهلا تواضعت وباشرت الكلام في نص الفتوى بدلاً عن ضرب الأمثلة البعيدة عن الفتوى ليكون كلامك أقرب للموضوعية و الإنصاف ، أين هذه اللوازم في كلام البراك ؟
الجواب :
الحكم بالقتل يستلزم أموراً متعاقبة كما في الفتوى ، وهي :-
1/ القول بالاختلاط .
2/ العلم بالتحريم .
3/ استحلال المحرم عن قصد لا عن شبهة .
4/ الحكم على الفاعل بالكفر والردة عن دين الإسلام .
5/ التعريف وإقامة الحجة عليه ( وجوب الاستتابة ) .
6/ رفض الرجوع .
لا أظن المفتي بالقتل يريد قتل القائل بالاختلاط دون تحقق هذه الأمور ،
انظر إلى الفتوى ففيها [ ومن استحل هذا الاختلاط ـ وإن أدى إلى هذه المحرمات ـ فهو مستحل لهذه المحرمات ، ومن استحلها فهو كافر ، ومعنى ذلك أنه يصير مرتداً ، فيُعرَّف وتقام الحجة عليه ، فإن رجع وإلا وجب قتله ] .
=================
ثالثاً : اتهمتَ البراك بأنه يقصد بفتواه شخصاً معينا ، وأن تكفيره تكفير لمعين "فرق بين من يبين الحكم ومراحل تطوره من حيث النظرة الفقهية العامة ، وبين من يقصد واقعة بعينها ، وشخصاً محدداً ، في وقت فتنة ، أطال الله رقدتها " ؛ وأقول في أي موضع من كلام البراك وجدتَ هذا ؟ ولا أعرف أحداً تكلم في مسألة الاختلاط من الثلاثة نفر وهو ممن تنطبق عليه هذه الفتوى ، فهلاّ بينت لنا أين ذكر لك الشيخ هذا من دوننا ؟
الجواب :
خرجت ثلاث فتاوى بهذا الشأن بإسم الشيخ - يحفظه الله - وهذا جزء من إحداها :-
[ ومضى على طريق أهل الزيغ من كان من أهل البدع كالخوارج والرافضة والقدرية والمرجئة والجهمية والمعتزلة ومن تبعهم على هذا المنهج إلى زماننا هذا فكلهم يتبعون المتشابه ويعرضون عن المحكم الواضح ويتعلقون بما يوافق أهوائهم ومذاهبهم حسب ظنهم
والوزير سامحه الله سلك في الاستدلال لرأيه في مسألة الاختلاط هذا المسلك فلم يذكر في مقاله إلا ما يراه دليلا له وهي لا تدل على ما ذهب إليه من جواز الاختلاط بهذا الإطلاق وأعرض عن أدلة المخالفين له وهذا خلاف العدل والإنصاف وخلاف منهج الطالب للحق ] .
هذا ما جاء في الفتوى ، وليس الموضوع اتهاماً ، ولا اختصاصاً اختصني به الشيخ من دونكم ، فلم أشرف بطلب العلم والتلمذة على فضيلته ، ولم أسعد بلقائه ، ولا برؤياه عياناً في غير صور الجرائد .
ولعل ذلك بحكم انشغالي بتخصصي ( القضاء ) ؛ الذي انشغل فضيلته بالتبحُّر في غيره . نفع الله به وبطلابه
=================
قلت :
على أن هذه الفتوى لو انطبقت على شخص بعينه - وليست منطبقه - فلا تعتبر تكفيراً له بحال من الأحوال ، بل هي بيان للحكم الشرعي في مسألة من المسائل ، وتكفير المعين والأحكام المترتبة عليه أمرٌ آخر له شروطه وموانعه وهو الذي يبحثه الحاكم أو نائبه ، وهذا أصل متقرر في عامة كتب أهل العلم- .
الجواب :
لم تترك الفتوى الأمر للحاكم أو نائبه ، ولم يستفت الحاكم ولا نائبه أحداً في هذا الموضوع ، ولعلك تعلم : أن الحاكم ونائبه ليسوا بحاجة إلى فتوى في هذا الأمر ؛ لأنك تقول في ما هو أخفى من مثل هذه الأمور : أنها لا تخفى على طلبة الطلبة .
فما الداعي لإثارة موضوع التكفير والقتل في الوقت الذي يعاني المجتمع من تداعيات تلك الاجتهادات ؟.
=================
رابعاً :ما ذكره البراك في فتواه هو مجموعة من "الشروط" التي لا يتحقق تكفير المستحل للاختلاط إلا بالقول بها ، وقد نص القائلين بالاختلاط على عكس هذه الشروط وأن ما يجيزونه منه هو ما انتفت فيه هذه المحرمات الثابتة بطرق قطعية ، ذكروا هذا في مواضع كثيرة . ففتوى الشيخ لا ملاقاة بينها وبين كلام أحد منهم .
ثمَّ "لو أنّ عالماً أفتى "بأن تارك الصلاة كافر" ووجد شخص اسمه عمرو وكان تاركاً للصلاة فإنه لا يعد قول العالم تكفيراً له بعينه بحال من الأحوال ، وإنما يكون الكلام فيه حقه كلام في مسألة أخرى هي مسألة تكفير الأعيان ، وهذ مسألة غير ما نحن بصدده" .
الجواب :
تقرير الأحكام محله الكتب ( المصادر والمراجع ) ، لا في الفتاوى المتزامنة مع الأحداث ، وهل جر الكثير من الويلات على مجتمعنا إلا الفتاوى الجائرة المواكبة لنوازل المجتمع ؟.
أما : انسحاب المفتين - حاشا الشيخ - بعد حدوث ما لا يحمد عقباه من فتاواهم : فهو نكوص على العقب ، وبراءة من نتائجها ، وإن التَحَفَ مُفتوها بقول : إني أخاف الله رب العالمين .
=================
خامساً : ما ذكرته من تصريحك للصحيفة بلفظك هذا كلام جميل بهذا القدر ، وإن كنت أراه مغايراً لما نقل في صدر الموضوع "ووصف البراك بأنه مجرد طالب علم كغيره من طلبة العلم وبان رأيه يمثله هو فقط كفرد من أفراد المجتمع".
ودعني أنقل لك كلاماً حسناً لابن المقفع : "اعلم أن الناس يخدعون أنفسهم بالتعريض والتوقيع بالرجال في التماس مثالبهم ومساويهم وتنقصهم ، وكل ذلك أبين عند سامعيه من وضح الصبح ، فلا تكونن من ذلك في غرور ولا تجعلنَّ نفسك من أهله ".
الجواب :
وصف الشيخ - أجله الله - بطلب العلم ليس منقصة ، ولا تعريضاً بالسوء ، وأنت - ولاشك - تعلم فضل طالب العلم ، ولا أظن الشيخ بحاجة إلى تدبيج الألقاب وألفاظ التزكية بالقدر الذي يحتاج كل أحد من يعينه على الحق إذا ذكره ، أو يذكره به إذا نسيه .
أما ما نقلته عن ابن المقفع فليتك وجدت من كلام السلف ما يقاربه ، وتركت عنك هذا المتهم بالزندقة ، وأنت طالب علم شرعي درست على شيخ العقيدة في بلاد الحرمين .
ورحم الله امرءاً عرف قدر نفسه فرعاها ، ونضَّر الله وجه امرئٍ عرف حَدَّه فوقف عنده . والله الموفق

